نصر حامد أبو زيد
28
الاتجاه العقلي في التفسير
الموالي أثقلت كواهلهم حتى خرج عليه الحارث بن سريج . وهو الذي ولّى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال عنه الحسن البصري « ما زال النفاق مقموعا حتى عمم هذا عمامة وقلّد سيفا » 58 هذا كله إلى جانب العصبيات القبلية التي أسهب المؤرخون في وصفها . وإذا كان يعدّ بحق « المؤسس الثاني للدولة الأموية » 59 ، فإنه من جانب آخر يعدّ مؤصل العداوة الأصيلة ضد الدولة الأموية . ويحسّ الباحث أن هذا العصر قد شهد تحولا في مشاعر أولئك المسلمين الأتقياء الذين تعايشوا - بحكم الأمر الواقع - مع خلفاء بني أمية . وإذا كان القول بالقدر وبمسئولية الانسان وحريته في الاختيار ، لم يجد صدى في قلوب أولئك الأتقياء الذين يميلون في الغالب إلى التسليم بقدرة اللّه القاهرة ، فإن تستّر الأمويين وراء القول بالجبر كان كفيلا - مع ازدياد جرائمهم - برفع الغشاوة عن هذه العيون المؤمنة لتدرك المغزى السياسي لهذه الدعوى . ولا شك أن المؤمن العميق الايمان ، وحتى الزاهد الورع ، يؤمن ايمانا عميقا بالثواب والعقاب ، وأنهما يكونان حسب العمل ، فالثواب هو جزاء العمل الخيّر ، والعقاب جزاء العمل الشرير ويستطيع المؤمن الورع أن يجمع - دون أدنى تعارض - بين ايمانه هذا ، وبين الايمان بقدرة اللّه القاهرة وإرادته الشاملة التي لا يمكن لإرادة الانسان أن تتصدى لها أو تخالفها . ولذلك من السهل أن نفسّر كراهية الصحابة المتأخرين للقول بالقدر ونفورهم من قائله على أساس أنهم - دون ادراك لمغزاه السياسي - اعتبروه دعوة مناقضة للايمان الكامل . ومن ناحية أخرى فإن القول بالقدر - كما سبقت الإشارة - كان يحمل في طيّاته رائحة الفكر المسيحي الذي كان شائعا في دمشق ، وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى نفور المسلم الورع . ولكن هذا النفور ولم يدم طويلا ، إذ سرعان ما كشفت سياسة الخلفاء الأمويين عن طابعها اللاديني ، وبذلك فقدت صمت هؤلاء المتدينين الورعين واستسلامهم للأمر الواقع ، كما فقدت أيضا توقف المرجئة وتبريريتهم حتى تحول بعضهم إلى مشاكرين في الخروج على خلفائها كما رأينا في حالة جهم بن صفوان . وإذا كانت المصادر الاعتزالية والشيعية ترد القول بالقدر إلى علي بن أبي طالب ، وتربطه على لسانه بالوعد والوعيد ، على أساس أن نفي قدرة الانسان واختياره تؤدي إلى إبطال الثواب والعقاب ، وسقوط الوعد والوعيد 60 ، فإن ذلك يعدّ - في نظر الباحث - محاولة لتأصيل هذا الفكر ورده إلى الإمام الأول عند الشيعة ، أو إلى صحابي جليل القدر عند المعتزلة . وقد يكون علي بن أبي طالب قد واجه هذا السؤال في عصره ، وقد يكون قد أجاب عليه مثبتا مسؤولية الانسان عن